مهند السيف
01-09-2003, 12:49
اغتيار....
اغـتـــيــــــــال
بقلم: مشهــور البـطران- فلسطـين
"إلى كل الذين قتلوا غيلة وغدرا"
نهض من سرير نومه في رحبة البيت محتدم الوجه، يجتر حسرة رؤيا غريبة أفزعته في ضجعة قيلولته، وكان للرؤى معنى جوهري في حياته، فهو يعلم أن رؤى الظهيرة لا تخيب فهي من فعل الملائكة بعكس رؤى العصريات التي غالبا ما تسلهم بوحي من آلام المعدة واضطراب الأمعاء.
"لقد رأى نفسه شجرة لوز طُرِحتْ عنها أوراقها في الربيع."
ومع ذلك لم يهتم كثيرا بهذه الرؤية بل ارتدى ثياب الجمعة وضمخ شعره السبط بعطر الند وهبط الدرج المحفوف بأصص الخبازيات الكئيبة.عندما رأته زوجته من وراء حبل الغسيل يرتدي ملابس صلاة الجمعة أدركت على وجه إليقين أن ثمة سوء ألم بزوجها فنادت عليه: لقد أخطأت التوقيت يا رجل.. اليوم هو الأربعاء!
وانتبهت في هذه اللحظة إلى أنه نه حافي القدمين، وأن الجوارب التي يلبسها مثقوبة من رؤوس أصابعها، ولكنه لم يلتفت إليها، وقال:
- أعرف ذلك.. وإنه الثامن والعشرين من آب.
وشرع يشد ربطات حذائه الكبير ومشى تحت تعريشة الدوالي مجانبا سحابة دخان زفرتها مدخنة الطابون المتقد، ومسح رأسه برذاذ الند العالق بين أصابعه وهمس في أعماق نفسه مرة أخرى:
- حسنا إنه الأربعاء الثامن والعشرون من آب، يوم مشمس لا بأس به.
وفي الطريق إلى المسجد شاهد شاة ممزقة انقضت عليها قطط شريدة فأخذته الرأفة بنفسه فأمسك أنفه حتى لا يستنشق رائحة الجيفة،وعرج على بيت أمه، وجدها تمرس قرص لبن في فخارية عتيقة، وما أن رأته في هيأته الجنائزية تلك حتى أدركها الوهن وأحست بتيار من الخوف اضطربت له يدها فتعكرت حموضة اللبن الرائق، فأزاحت صحن الفخار من بين رجليها وقامت إليه وحضنته إلى صدرها، وقالت له:
- لن تخرج من هذا البيت.
شرعت تبكي بأنين ناعم متقطع يشبه إلى حد كبير صوت طفلة، أبعدها عنه بلطف وأناة ورد عليها:
- لا فائدة من ذلك يا أمي.
أجابت محاولة تخطي أوحال دموعها:
- إذا كان لا بد فخذ هذه معك.
مشيرة بيدها إلى سكينة موضوعة على حافة الطاولة. وأكملت:
- ربما تنفعك في ساعة بأس.
فأجاب: تكفيني هذه إنها تقيني شر الأشرار.
مشيرا إلى سبحة حجازية سوداء بين أصابعه. وغادر البيت وهو يردد المعوذتين بصوت شبه مسموع، حتى أنه لم يسمعها وهي تنادي عليه من بعيد: ربما لو تغير طريقك لكان أفضل لك.
في الطريق هبت عليه نسمة خانقة من أنفاس أغسطس الحارة فجهده العرق اللزج المخلط بروائح الند، وحاول أن يستجلب الهواء بقطعة من الكرتون التقطها من على سياج الدار لكنها لم تفلح بتحريك الهواء الراكد فوق صدره. كانت كل خطوة يخطوها في الطريق لن تتكرر مرة أخرى، وعندما شارف نهاية الزقاق رآهم من بعيد متخفين في أسمال متسولين تعلو وجوههم غبرة الانتظار الطويل، لم يكن أمامه متسع للتفكير إلا بمقدار بسملة، وأحس بمرارة الانصياع للأوامر التي خطتها يد الأقدار منذ سالف الدهر.كانت نصال حرابهم تلمع في شمس آب، في هذه اللحظة رمى العالم وراء ظهره بينما كانت أولى الضربات تنهال على مفرق رأسه، وأسعفه الزمن بذكرى عابرة مرت في ذاكرته كما لو أنها سهم خاطف؛ خففت من آلام نزعه حين تذكر أن أصغر أبنائه وضع له في جيبه سترته ورقة صغيرة كتب عليها بخط كبي
اغـتـــيــــــــال
بقلم: مشهــور البـطران- فلسطـين
"إلى كل الذين قتلوا غيلة وغدرا"
نهض من سرير نومه في رحبة البيت محتدم الوجه، يجتر حسرة رؤيا غريبة أفزعته في ضجعة قيلولته، وكان للرؤى معنى جوهري في حياته، فهو يعلم أن رؤى الظهيرة لا تخيب فهي من فعل الملائكة بعكس رؤى العصريات التي غالبا ما تسلهم بوحي من آلام المعدة واضطراب الأمعاء.
"لقد رأى نفسه شجرة لوز طُرِحتْ عنها أوراقها في الربيع."
ومع ذلك لم يهتم كثيرا بهذه الرؤية بل ارتدى ثياب الجمعة وضمخ شعره السبط بعطر الند وهبط الدرج المحفوف بأصص الخبازيات الكئيبة.عندما رأته زوجته من وراء حبل الغسيل يرتدي ملابس صلاة الجمعة أدركت على وجه إليقين أن ثمة سوء ألم بزوجها فنادت عليه: لقد أخطأت التوقيت يا رجل.. اليوم هو الأربعاء!
وانتبهت في هذه اللحظة إلى أنه نه حافي القدمين، وأن الجوارب التي يلبسها مثقوبة من رؤوس أصابعها، ولكنه لم يلتفت إليها، وقال:
- أعرف ذلك.. وإنه الثامن والعشرين من آب.
وشرع يشد ربطات حذائه الكبير ومشى تحت تعريشة الدوالي مجانبا سحابة دخان زفرتها مدخنة الطابون المتقد، ومسح رأسه برذاذ الند العالق بين أصابعه وهمس في أعماق نفسه مرة أخرى:
- حسنا إنه الأربعاء الثامن والعشرون من آب، يوم مشمس لا بأس به.
وفي الطريق إلى المسجد شاهد شاة ممزقة انقضت عليها قطط شريدة فأخذته الرأفة بنفسه فأمسك أنفه حتى لا يستنشق رائحة الجيفة،وعرج على بيت أمه، وجدها تمرس قرص لبن في فخارية عتيقة، وما أن رأته في هيأته الجنائزية تلك حتى أدركها الوهن وأحست بتيار من الخوف اضطربت له يدها فتعكرت حموضة اللبن الرائق، فأزاحت صحن الفخار من بين رجليها وقامت إليه وحضنته إلى صدرها، وقالت له:
- لن تخرج من هذا البيت.
شرعت تبكي بأنين ناعم متقطع يشبه إلى حد كبير صوت طفلة، أبعدها عنه بلطف وأناة ورد عليها:
- لا فائدة من ذلك يا أمي.
أجابت محاولة تخطي أوحال دموعها:
- إذا كان لا بد فخذ هذه معك.
مشيرة بيدها إلى سكينة موضوعة على حافة الطاولة. وأكملت:
- ربما تنفعك في ساعة بأس.
فأجاب: تكفيني هذه إنها تقيني شر الأشرار.
مشيرا إلى سبحة حجازية سوداء بين أصابعه. وغادر البيت وهو يردد المعوذتين بصوت شبه مسموع، حتى أنه لم يسمعها وهي تنادي عليه من بعيد: ربما لو تغير طريقك لكان أفضل لك.
في الطريق هبت عليه نسمة خانقة من أنفاس أغسطس الحارة فجهده العرق اللزج المخلط بروائح الند، وحاول أن يستجلب الهواء بقطعة من الكرتون التقطها من على سياج الدار لكنها لم تفلح بتحريك الهواء الراكد فوق صدره. كانت كل خطوة يخطوها في الطريق لن تتكرر مرة أخرى، وعندما شارف نهاية الزقاق رآهم من بعيد متخفين في أسمال متسولين تعلو وجوههم غبرة الانتظار الطويل، لم يكن أمامه متسع للتفكير إلا بمقدار بسملة، وأحس بمرارة الانصياع للأوامر التي خطتها يد الأقدار منذ سالف الدهر.كانت نصال حرابهم تلمع في شمس آب، في هذه اللحظة رمى العالم وراء ظهره بينما كانت أولى الضربات تنهال على مفرق رأسه، وأسعفه الزمن بذكرى عابرة مرت في ذاكرته كما لو أنها سهم خاطف؛ خففت من آلام نزعه حين تذكر أن أصغر أبنائه وضع له في جيبه سترته ورقة صغيرة كتب عليها بخط كبي